![]() |
|
إذا تزوجت عن حب ... فأنت تزوجت حبيبتك... و إذا تزوجت زواج تقليدي ... فأنك تزوجت حبيبـة غيرك ما رأيك
(في المدينة القديمة .. الكوابيس لا تأتي فرادى) و(أبو ياسين الزرلي وزوجته) من سكان حي القزازين في منطقة ساروجة يهربان من كابوس
العزلة التي فرضها عليهما كل الجيران والأقارب، ليخيفهما كابوس التلاشي البطيء لحلمهما في الإنجاب والذي وصل سن اليأس منذ أكثر من (15) عاماً، أيقظتهما وفي الجمعة الأولى من رمضان (ساعة الغفلة) التي انهار فيها سقف المنزل فوق رأسيهما، ليتم نقلهما إلى مشفى المواساة، وقد فعل الحادث فيهما ما فعل من كسور وجروح، وتناسيا الأوجاع، بشغل نفسيهما في شكر الله على نعمته بأن حرمهما من (الخلفة) أو كما تقول أم ياسين: (ما ذنبه ابني الذي أحمد الله على أنه لم يولد، ليشاركنا لحظة بلحظة تهديداً بالموت تحت أنقاض منزلنا المهترئ، ويحرق قلبي وقلب والده عليه، إذا ما انتزعه رجال الإنقاذ، جثة هامدة تحت جدار اللبن والطين والخشب الذي انهار فوق رؤوسنا ونحن نيام).
ولكن نجاة عائلة الزرلي وبنت جيران (الحيط على الحيط) تدق من جديد ناقوس الخطر، فيما يتعلق بمصير قاطني باقي الأحياء المهترئة داخل سور المدينة القديمة وخارجه، والتي حذر المعماريون المختصون والتاريخيون أكثر من مرة، أنه في حال عاشت بيننا هذه الأحياء هذا الشهر، قد لا نراها الشهر القادم إلا خراباً.
حتى أنتَ يا أبا عصام:
إذا كانت كاميرا المسلسل التلفزيوني باب الحارة، صوّبت عدستها على القسم العربي المرمم من منزل (أبو عصام) لتظهره للمشاهد رمزاً للطراز الدمشقي القديم، بفنائه الداخلي الواسع، الذي تحيط به الغرف وتتوسطه بحرة شامية (أبّاً عن جد) فإن عدسة العين على أرض الواقع، ستلتقط صوراً من نوع آخر، مؤطرة في خراب واهتراء، القسم الشرقي من هذا المنزل الذي أدارت له الكاميرا والنية في الترميم وجهيهما، علماً أن هذا المنزل يشغل (1000م2) من حارة العرقسوسي في حي العقيبة خارج السور، وفي هذه الأحياء بالذات العقيبة وساروجة وعمارة برانية وقزازين ومناخلية ونحاسين وحدادين لا يمكن القول بأن وضعها آمن أو أنها لا تمثل تهديداً لساكنيها، بامتزاج أجسادهم في أية لحظة مع اللبن والطين والخشب المحيطة بها من كل الجهات كعدو يتحين الفرصة لخيانة العشرة.
الرخصة.. قسمة ونصيب:
ولحصول أصحاب هذه الأملاك الخاصة من خانات وبيوت ومحلات على رخص ترميم بسيطة يقول المهندس (أحمد محسن) رئيس دائرة
خدمات ساروجة: (بعد تَقدّم الساكن بطلب الحصول على رخصته، متضمنة صحيفة العقار، تاريخ منح الصفحة العقارية لأول مرة، نقوم بعمل كشف على الواقع الحسي) وكحد أقصى يستلم رخصته بعد (3) أيام، وبموجب القانون (1) تعتبر كل البيوت المقيدة عقارياً ما قبل (1948) مرخصة لأنه قبل هذا التاريخ لم يكن هناك محافظة وما بعد (48) بحكم المرخّصة.
أما في حال اشتكى الجيران، بحكم طبيعة البيوت الدمشقية المتلاصقة والأزقة الضيقة، على أحد السكان بتجاهل ترميم منزله الواضح للعيان أنه آيل للسقوط، يقوم المهندسون في دائرة الخدمات، بعمل كشف على الواقع الحسّي ثم يتم توجيه إنذار بإزالة الأجزاء الخطرة أو هدمها أو ترحيلها أو تدعيمها، ويتابع المهندس (أحمد محسن): (في حال لم يستجب الساكن للإنذار ويسارع للترميم خلال مدة أقصاها «3» أشهر، ترمم المحافظة على حسابها ثم يتم تحويل الكلفة إلى المالية لتحصيلها من المواطن).
غير أن واحداً من المعماريين الاختصاصيين، كان يترأس دائرة خدمات باب توما أوضح أن هذه الإنذارات شكلية فعلى حد تعبيره: (لا المحافظة قادرة على الترميم وربما ليست على عجلة من أمرها).
في حين يتم منح رخص بإعادة البناء من مكتب (عنبر) مديرية المدينة القديمة، التي تضم الـ (9) مناطق الواقعة داخل السور بالإضافة إلى
الشريحة الأساسية لـ (أربع) مناطق خارج السور وهي ساروجة والقنوات وركن الدين والميدان، وتعد مسؤولة عنها كخدمات وصيانة وترخيص مهن ورخص، وفي هذه المناطق تحديداً للحصول على رخصة ترميم بسيطة، كما يوضح المهندس (أمجد الرز) مدير المدينة القديمة: (من الضروري مقارنة الوضع الراهن للعقار مع المخطط الإفرازي أي الثبوتات، قبل أن توافق اللجنة الفنية المؤلفة تقريباً من «10» أشخاص يمثلون دائرة آثار مدينة دمشق ومكتب الترخيص في المحافظة ومديرية الأوقاف ومديرية المهن والرخص ومديرية السياحة ودائرة الخدمات المختصة) ولكن الحصول على رخصة إعادة بناء، يشترط موافقة لجنة حماية دمشق، التي يترأسها رئيس مجلس الوزراء و»21» عضواً آخرين تجتمع دورياً كل شهر وتقرر منح الرخص لمستحقيها وبرأي الدكتورة (ناديا خوست): (إن لجنة الحماية ليست إلا أقنعة مختلفة للمحافظة بينما يفترض أن تكون حيادية) وفي وقت عَدَّت (عدم التقيد بإخراج مؤرخ برفقة المهندس المختص وليس أي اختصاص لمعاينة البناء وتقديم مقترحات الترميم، جهل وجريمة بحق المدينة القديمة).
تحدث المهندس أمجد الرز، عن سعي المديرية إلى (حلحلة) أمور المواطنين والاختصار من الإجراءات المعقدة لمنح الرخصة، فهناك حالات مستعجلة ليس من مصلحة أحد أن تتأخر رخصة إعادة بنائها أو تنام على الطريق.
الترميم وما أدراك ما الترميم:
يتفق القاطنون ممن قاموا بترميم منازلهم وتركيب ديون على ظهورهم، مع المعماريين الاختصاصيين بارتفاع كلفة الترميم في دمشق القديمة حيث يؤكد المهندس (محمد نايف عمادة): (يكلف ترميم بيت دمشقي قديم، ما يفوق تكاليف إعادة البناء).
وبدورها الدكتورة (ناديا خوست)، تستغرب امتناع المحافظة من لعب دورها الحقيقي كمؤسسة خدمية، واستمرارها في أداء دور المؤسسة الربحية، بتخليها عن فكرة دعم مشاريع إعادة ترميم الأملاك الخاصة، بتقديم قروض بلا فوائد وبالتقسيط المريح والمفارقة أن المحافظة تلزم أصحاب الرخص، شروطاً معينة للترميم وإعادة البناء تصب في خانة الحفاظ على التراث.
ومن ذلك استخدام المواد التقليدية في البناء من خشب ولبن حصراً وعدم السماح بتجاوز الارتفاع.
وتعتبر الدكتورة ناديا خوست: (أن عدم تعاون المحافظة مع القاطنين في صيانة التراث العمراني للبيوت القديمة، يشكك في نيتها حماية التراث، وتحقيق أمن دائم للقابعين تحت بيوت آيلة للسقوط في أية لحظة ولا يملكون قوت يومهم، ليملكوا رصيداً خاصاً بالترميم).
فمن نافل القول, إن التلاعب بالأساسيات التراثية والاستعاضة عنها بما خفت تكلفته من كُتل أسمنتية قبيحة، داخل البيوت التراثية، لا يتحمل أصحابها وحدهم مسؤولية التشويه والإساءة للنسيج المعماري الداخلي أو كما يقول أحد القاطنين: «تقديس التراث وإعادته بالترميم ليس متوقفاً على منزلي (حط بالخرج).
ومؤخراً أعدت مديرية المدينة القديمة، بالتعاون مع (مؤسسة ألمانية مختصة) البرنامج السوري الألماني للتنمية العمرانية المستدامة، دراسة مطولة من (30) صفحة عن الحالة الاجتماعية والوضع المادي لسكان المدينة القديمة، بهدف تحديد مَن يستحق الحصول على قرض ترميم أو إعادة بناء وما يتطلبه كل منزل على حدة، كخطوة سابقة لمشروع تقوم به المديرية و(المؤسسة الألمانية المختصة) هدفه وفقاً للمنسق في المشروع (أذينة الجندي): (تأمين تسهيلات مادية على شكل قروض، لأصحاب المنازل والمحلات والخانات المهددة بالانهيار) ويضيف: (نحاول تشجيع بعض البنوك التي تلعب على ضمانات مختلفة دون رهن العقارات، مراعاة لخصوصية الشام القديمة), ومبدئياً توصل الفريق المشترك إلى تحديد سقف القروض المتكررة والمرة الواحدة بـ "750" ألف ل.س مقسطة على مدة "خمس" سنوات، ولكن بفوائد لا تقل عن "6 %" وتزيد عن "13 %".
ولذلك كما يؤكد أذينة الجندي: (ستعوّض المحافظة ما بين «70» إلى «80 %» من قيمة الفوائد المفروضة على المقترض).
وهناك أيضاً خطة موجهة لتأمين قروض صغيرة من أجل سد نفقات الترميمات البسيطة، بفوائد تبدأ من (13 %) يتم سداد (25000) مثلاً على مدار (6) أشهر.
وطبعاً هذا المشروع من مصلحة المحافظة (مئتين بالمئة) على حد تعبير أذينة الجندي: (فالحكومة الألمانية، اتفقت مع الحكومة السورية على احتساب كل مبلغ يُصرف بأوجه خدمية، ضعفي ديونهم علينا، وهو ما يسمى بمبادلات الديون التي تصل تقريباً إلى «مليون» يورو بيد المحافظة وحدها).
شامنا فرجة.. وهي مشوّهة:
في (خمسينيات) و(ستينيات) القرن الماضي، هجر سكان دمشق مدينتهم، وأقام فيها (الوافدون) كما تسميهم الدكتورة ناديا خوست، الذين كانوا: (لا يعرفون إلا ماندر عن تراث المدينة وقيمته التاريخية، فشوهوا قسماً كبيراً منها) ومن ذلك مثلاً كما يقول المهندس أمجد الرز : (أن الحارات القديمة لم يكن فيها حمام منزلي، فمن المعروف أن الدمشقيين كانوا يستحمون في حمامات السوق المتوزعة في كل حارة واليوم يسكن البيت الواحد أكثر من «12 – 13» شخصاً غالباً لا قرابة بينهم، ولكل حمامه الخاص، الذي بناه مخالفاً في أرض «الديار» كما تسمى).
وليس نكتة مضحكة أن أحد القاطنين بنى (حماماً) على الطراز الغربي، في برج نور الدين الزنكي، وإذا كان الرز يُرجع هجرة سكان دمشق لحاراتهم (مبهورين بالتوسع الحديث والشوارع العريضة، لدرجة أن ما يقارب (15 %) من المنازل إما مهجورة أو في حالة انهيار) فإن الدكتورة ناديا خوست: (تتعمق في الأسباب لتصل إلى ضعف الاهتمام بالمدينة القديمة وتهالك بنيتها التحتية وعدم تخديمها كما يجب) وتضيف: (عدم وجود من يكبح الطموحات الاستثمارية والسياحية عن المدينة والتي تجاوزت خطوط الأمان والمنطقية بتحويلها إلى مطاعم لعبت دوراً محورياً في «تطفيش» السكان من حولها وشكلت ضغط على البنية التحتية وشبكة الخدمات المتهالكة أساساً).
وربما يشبه ما تعانيه دمشق اليوم بالشهيق والزفير، فالمدينة التي تجبر على استقطاب المستثمرين لمشاريع تسيء إلى النسيج الاجتماعي لأقدم مدينة مأهولة في التاريخ، مجبرة أيضاً على ترحيل سكانها بعيداً عنها وتضييع علاقاتها الإنسانية، وتحولها إلى نسيج مهجن وملتبس الهوية.
وبدوره المهندس أمجد الرز يؤكد أن هناك («70» مخالفة على سور مدينة دمشق، فضلاً عن تشوهات وتعديات أكثر من أن تُحصى داخل أو خارج السور) ومجرد شيوع تلك النسب من المخالفات يضع القائمون على منح التراخيص برأي الدكتورة ناديا خوست: (يضعهم مع مَن رخص بافتتاح المطاعم والمحلات السياحية أمام مرآة مسؤوليتهم عن ما آلت إليه دمشق القديمة واستغلال البعض لمناصبهم كأوصياء عليها وتطعيم كل مشروع تأهيل فيها بطابع الاستثمار والربح المادي على حساب المكسب التراثي).
ترميم بنكهة الصيانة:
أن تسمع توصيفاً من أحد ألمع الاختصاصيين المعماريين في دمشق، الدكتور المهندس (عمر قوتلي) لعمليات الترميم التي تنفذ في المدينة القديمة: (بأنها ميك آب أو رتوش في أحسن الأحوال) ربما لن يصدمك توصيف زميله المهندس (منيف الصوّاف): (بأنها صيانة ليس إلا), حيث يعرف الترميم بأنه (إعادة نفس المشاعر التي كانت موجودة مع تمييزها كعناصر مرممة) خاصةً إذا علمنا أنه ومنذ (ثلاث) سنوات مضت لا أكثر،
بدأت جامعة دمشق بتخريج اختصاصيي ترميم، من معهد (شاريو) الذي يعامل كدرجة ماجستير ما بعد الإجازة.
والمفارقة أن ما يجري عندنا في كل مشروع يستهدف الترميم، على حد تعبير الدكتورة ناديا خوست: (يُسجل تعدياً علنياً على مبادئ اليونسكو المتعلقة بحقوق المعاصرين للتغيير في المدن القديمة، حيث يوجد خطر فقط).
المتحفة المبكية:
(113) أثراً فقط ظاهرة حتى الآن من آثار دمشق القديمة، بينما (700) أثر مختفي بانتظار مذكرة بحث وتنقيب طبعاً، لا يمكن اعتبارها معالم كاملة وإنما هي جزء من عناصر البناء، وبينما هناك، (34) منزلاً مصنفة كتراث عالمي، هناك ما يفوق هذا العدد من الأبنية والبيوت المستملكة للمحافظة ولم تقبل أن يرممها أصحابها ولم ترممها هي نفسها، ويذكر المهندس منيف الصوّاف بيت (فارحة أو الدحداح) الذي رفضت المحافظة قبل (11) عاماً السماح لأصحابه بترميمه والذي تصل مساحته إلى (3700) متر مكعب، كان يملكه في القرن الـ (18) الصيرفي ذي النفوذ الواسع (حاييم فرحي) والذي بات فيه (سليمان باشا) بعد حملته على دمشق في العام (1810) أما اليوم، فهو أشبه بخرابة.
أما حمام الجوزة الذي تتحدث عنه الدكتورة ناديا خوست: (يقع في سوق ساروجة فيرجع إلى القرن «السادس» الهجري، أهملته المحافظة ورفضت عروض أهل الحارة لترميمه حتى انهارت قبته).
وينقسم المهتمون بشأن مصير المدينة القديمة إلى فئتين، فئة تُسمي نفسها المدافعة عن دمشق القديمة الأثرية والتي ترى أنه لا حل بالحفاظ عليها وعلى حضارتها إلا بتحويلها إلى متحف يزوره السياح، أما الدكتورة ناديا المنتمية إلى الفئة الثانية والتي تسمي نفسها أيضاً المدافعة عن دمشق القديمة والأثرية، فإنها ترد على الفئة الأولى بوصف فكرتهم (بالحمقاء) وتقول: (ميزة دمشق القديمة بعلاقاتها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، فأي قرار جاهل ينوي تحويلها إلى متحف بارد يفتح نهاراً ويغلق ليلاً).
في حين يقترح المهندس محمد منيف الصوّاف، إعادة توظيف المدينة القديمة لإعادتها كما كانت طوال عمرها قبل أن تتعدى عليها الأحلام الاستثمارية، مدينة سكنية، ولن يتحقق ذلك برأيه إلا في حال تأهيل البنية التحتية وتزويد المدينة بأفضل شبكات الكهرباء والهاتف والمياه، كعنصر جذب لمن ضاقوا ذرعاً بضعف خدماتها وحتى مشكلة الازدحام المروري في أزقتها الضيقة، ويمكن حلها برأيه، عن طريق اعتماد أكثر من كراج خارج المدينة القديمة التي لا تعتبر مساحتها كبيرة.
وهناك فكرة استحدثها، بأن يتم إشغال كل حي بفئة اجتماعية معينة، مثلاً حي لطلاب الجامعة وحي للمهندسين وحي للأطباء، بالإضافة إلى السكان الأصليين، بدلاً من كونها الآن مدينة نوم تعامل كالفندق.
وبعد:
دمشق القديمة تحتاج إلى حلول إسعافية وعلى رأس هذه الحلول إعادة النظر بقوانين (الترميم) حفاظاً على تراث يخشى عليه من الضياع.