![]() |
|
إذا تزوجت عن حب ... فأنت تزوجت حبيبتك... و إذا تزوجت زواج تقليدي ... فأنك تزوجت حبيبـة غيرك ما رأيك
"أحبيني بلا عقد.. أحبيني لأسبوع.. لأيام.. لساعات.. فلست أنا الذي يهتم بالأبد.. أحبيني".وشكلت هاجس كل منهم قبل الإقدام على الزواج؛ فتلك ترغب الشاب "المخضرم" الذي خاض التجارب مع الفتيات، وأخرى توجب على كل رجل أن يتذوق طعم الحب وأن يعاشر النساء قبلها كيلا يكون "قط مغمض" عند الزواج.. أما الرجل، وليس كل الرجال، فيفضلونها بتولا لم تقع أبداً في الحب، حتى في حبه هو.. فهل تتحوَّل قصص الحب إلى العقدة التي يصعب حلها أثناء الزواج، وبعده؟!
.
ترى منار العاملة في شركة خاصة في دمشق أنَّ القيم الأخلاقية المزدوجة منعتها من الاعتراف بالحب قبل الزواج؛ "لأنَّ الفتاة التي تقع في الحب تفقد احترامها في نظر الناس، بل حتى في نظر الرجل الذى تحبه". وتشير منار إلى أنَّ نظرة المجتمع الشرقي معقدة نحو الحب: "يتغنى المجتمع ليلا نهاراً بالحب، لكن إن وقعت فتاة صغيرة في هذا الحب تربَّص بها المجتمع ذاته دون أن يطرف له جفن". وتؤيدها فريال من طرطوس، التي عانت ما عانته من قبل والدة خطيبها: "عشت قصة حب استمرت 5 سنوات. ولكن الاستمرارية شكلت المشكلة وليس الحل، حيث اعترضت أمه على الزواج من فتاة عشقت، باعتبار أنَّ العشق إحساس معيب قبل الزواج، فكيف إن كان الحال دام خمس سنوات، حيث اعتبرت أنني زوجة غير صالحة، لأننا كنا نتقابل أمام الجامعة أو نذهب لنتمشى معاً أو نجلس في المقاهي. ولكنه -رغماً عنها- خطبني لمدة سنة. وفي الوقت نفسه، استمرت محاولاتها ووسائلها، حتى نجحت في فسخ الخطوبة، وبالفعل افترقنا..".
وبعد أن عاشت فترة من اليأس لأنَّ زواجها انتهى بتهمة العلاقة قبل الزواج، عادت القصة لتفتح من جديد، بعد أن تزوجت من مهندس بطريقة تقليدية؛ تقول: "تقابلنا بالصدفة، فأرسل أمه وتمَّ الزواج بعد شهر واحد فقط. واليوم إذا التقينا بخطيبي السابق في مكان ما، يرمقني زوجي بنظرات جارحة، وأحياناً يسمعني كلمات قاسية، وكأنَّ في الماضي نقطة سوداء، عليَّ أن أتدارى منها طوال العمر".
إنَّ اتهام منار وفريال لنظرة المجتمع تجاه المرأة بالتخلف، قد تفهم، مقارنة باتهام رشا (الطالبة الجامعية) للرجل الشرقي، الذي لا يثق بالفتاة الصادقة التي تكشف عن مكنون صدرها.. ورشا توجه اتهامها لأغلب الرجال الذين لا يؤمنون بقدرة المرأة على الحب ودورها في اتخاذ قرار المباردة نحو الطرف الآخر: "يتصورون أنها فتاة سهلة رخيصة، أما الفتاة المدربة التي تلعب بهم، وتغدر بهم، فهي من تفوز بحبهم".
جيراي عبد الله وهو أحد سكان دير الزور كان له رأي مخالف؛ فهو -على ما يبدو- لا يريد أن يكون متناقضاً في حياته ونمط تفكيره، لذلك يقول: "كلّ شيء من السوق لكن المحبة من الله. هذا هو المعروف لدينا. وبالنسبة لي، لا مانع من وجود علاقة عاطفية تربط شخصين، سواء كتب لها التوفيق أم لا. ومن هنا، فإنَّ الارتباط قبل الزواج ليس عائقاً في حال كان ارتباطاً أخلاقياً وضمن المعقول. وهذا الرأي يشمل الشاب والفتاة في آن معاً".
ويقترب مفهوم وسيم طالب الطب في جامعة دمشق عن الحب والزواج من مفهوم جيراي، عندما يسخر من عادات المجتمع القديمة بقوله: "الزواج منفصل عن الحب؛ فالرجل لا يتزوج إلا العذراء البتول التي لم تقع أبداً في الحب، حتى في حبه هو".
ويرى وسيم أنَّ "نظرة الريبة التي يوجهها الشاب إلى الفتاة التي اختبرت الحب قبله، تدفع الفتاة إلى إخفاء حياتها العاطفية عن زوجها في المستقبل"، ويضيف: "لهذا تخفي البنات والنساء عن أزواجهن كلَّ شيء يتعلق بالحب أو الجنس أو أعماق القلب. ويمكن للزوج أن يتفاخر أمام زوجته والناس بتجاربه خارج الزواج. أما الزوجة، فمن المفترض أن زوجها هو أول رجل فى حياتها، بل الرجل الوحيد".
نظرة الأنثى
حول نظرة الفتاة إلى علاقات زوجها قبل الزواج، تقول ليلى من طرطوس: "أنا أجزم أنَّ تكرار العلاقات قبل الزواج سيترك نتائجه بعد الزواج". وتبيّن ليلى، التي عاش زوجها عدة علاقات عاطفية فاشلة قبل الزواج، أنَّ زواجها به "جاء رد فعل عكسي على علاقته الأخيرة التي رفضها الأهل، لأنهما من أديان مختلفة.. إذ يبحث عنها بي، وأحيانا يطالبني بأمور أعلم فوراً أنها كانت تقوم بها؛ الأمر الذي يؤلمني. ولكن يجب أن يكون الزمن كفيلا بها".
أما سعاد (37 عاماً- حلب) فذكرت أنَّ من حولها نصحها بقبول الزواج من خطيبها المتقدم إليها، على الرغم من خوضه تجارب عديدة، بحجة أنه سيتغيّر ما بعد الزواج. ولكن نصيحتهم باءت بالفشل، حيث إنَّ قدمه ما زالت إلى الآن خارج المنزل، سواء تمَّت العلاقة أم لم تتم. وفي النهاية المرأة هي التي تظلم في هذه المرحلة، لأنَّ العلاقات بحد ذاتها محرمة عليها قبل وبعد الزواج، عدا عن أنَّ المرأة تقبل بالزوج المخضرم بالعلاقات العاطفية، لكن الرجل يرفض إقامة زوجته المستقبلية أيَّ علاقة ولو كانت بريئة، بحجة أنه رجل شرقي.
أم أحمد تروي قصتها مع زوجها المرحوم بقولها: "عندما عرض علي الزواج كنت أعلم بدخوله وخروجه مع الفتيات، وبأنه لم يلتزم بعلاقة واحدة. ومع ذلك تزوجت به، على الرغم من تلقيب أهالي الحارة له بالكازنوفا. ولكن حاله انقلب بعد الزواج، لدرجة التدين والزهد، ليتفاجأ به من حوله، وعدلت نتيجة ذلك حياتنا".
تقول ياسمين من طرطوس: "لم يكن لزوجي سوى علاقة واحدة قبل الزواج، وفي فترة المراهقة. لذا لا يعتبر أنَّ لها أي دور في حياته، خاصة أنَّ زواجنا جاء بعمر 27 سنة. وبالتالي، سأل قبل الزواج كثيراً عما إذا كانت لي علاقة سابقة، لأنه أراد أن يتزوج من فتاة لم تعش علاقات سابقة؛ وذلك -على حد قوله- نتيجة ما سمعه عن علاقات الفتيات ونتائجها السيئة على طهارتها وعاطفتها".
إرادة مجتمعية
مجتمع محافظة ديرالزور، سواء أكان ريفاً أم مدينة، ما زال يصنف ضمن المجتمعات المحافظة، بل والمتشددة في عدد من عاداته وتقاليده الاجتماعية، سلبية كانت أم اجتماعية. والعلاقات العاطفية ما بين الرجل والمرأة، من القضايا التي مازال التشدد فيها واضحاً، حتى إنَّ البعض يرفض الإدلاء بأيّ رأي حول هذا الموضوع، لأنهم اعتبروا أنَّ رفض إقامة مثل هذه العلاقات من البديهيات التي لا يجب الحديث عنها أصلا. وهذا ما لمسناه فعلياً على أرض الواقع، عندما اصطدمنا برفض الكثير من الأشخاص الكلام حول هذا الأمر؛ لأنه -بحسب رأيهم- من النادر حصوله في المجتمع "الديري". لكن البعض الآخر شذَّ عن هذا الرأي. ومن هؤلاء الشاب فراس المحمد، الذي يرى أنَّ مجتمعنا في الفترات الأخيرة أصبح مليئاً بالعلاقات العاطفية غير المصرح عنها، والتي تنفذ سراً خوفاً من الرفض المجتمعي، والعقاب الذي يمكن أن يخلفها. وعن رأيه في هذه العلاقة، قال: "لا يمكن نكران بعض فوائدها، وأهمها كسر الحاجز الموجود بين الشاب والجنس الآخر. وبالتالي يتعامل بثقة أكبر في المستقبل مع شريكة حياته. لكن هذه الفائدة تتحوَّل إلى الوجه السلبي عندما تتطور العلاقة إلى درجات غير بريئة، مما ينعكس على الفتاة أولا، وينعكس على الشاب ثانياً؛ من خلال خلق حالة من انعدام الثقة لديه بالنساء. وهذا بدوره يؤثر سلباً على حياته الزوجية المستقبلية. وتوافقه دينا من حلب، مع تأكيدها ضرورة العلاقة العاطفة قبل الزواج، حيث اعترفت بتجارب زوجها القديمة، ووافقته على ذلك بقولها: "إنَّ العلاقة الزوجية تتحسَّن في حال كانت العلاقة الجنسية جيدة، ويجب على كل فتاة وشاب معرفة طبيعة جسديهما، كي تقبل (أو يقبل) بالآخر الذي يوافقه(ا) جنسياً؛ لأنَّ الحياة العاطفية بعد الزواج تكتمل بتلك الأمور". وتضيف دينا: "في النهاية تلك العلاقات ترتكز على ما يسمى "الاكتفاء الذاتي"، وفي حال اكتفى الشباب والفتيات من علاقاتهم السابقة وكرسوا أنفسهم لأزواجهم، لن يدخل أيّ خلل إلى العائلة. وفي حال العكس، تنقلب حياتهم إلى جحيم، حتى لو كانت المرأة تقوم بواجباتها كافة".
بينما أبو عمر من دير الزور، يرى أنَّ مجتمعنا يحمل الكثير من المتناقضات؛ ففي الوقت الذي يمكن أن يغفر للرجل علاقاته العاطفية وفي أي درجة كانت، نراه في الوقت ذاته يتشدَّد ضدَّ المرأة بشكل صارم، حتى وإن كانت هذه العلاقة صادقة. لكن هذا المجتمع في الوقت ذاته يرفض العلاقات العاطفية للرجل بعد الزواج بشكل قاطع. ومن هنا يرى "أبو عمر" أنه قد يضطر أحيانا إلى التغاضي عن علاقة قد يقيمها أحد شباب أسرته، لأنَّ المجتمع ذاته يرفض محاسبته عليها، وهو لا يستطيع الخروج عن السياق المجتمعي الذي يعيش فيه. في المقابل يؤكد إبراهيم عيسى الموظف في مجال الاتصالات في دمشق أنه ضدَّ تغاضي المجتمع عن "بطولات الشباب"، وهو يرفض أن تكون شريكته على علاقة عاطفية سابقة، ليس لغياب الثقة بها، بل لأنه لا يثق بالشبان الآخرين الذين يستغلون عاطفة الفتاة ويتلاعبون بمشاعرها، من أجل الوصول إلى غاياتهم الجنسية، ثم يلقون بها للبحث عن غيرها.
الحب ليس شرطاً للنجاح
تقول أمل من طرطوس: "العلاقة بين الشخصين قبل الزواج ليست معياراً لنجاح الزواج". وهو ما أكده عادل، الذي كان على علاقة حب مع زوجته أمل قبل 3 سنوات من الزواج؛ يقول: "لكن ذلك لم يقِ من طلاق سبَّبته فروق التصرفات والطباع قبل الزواج وبعده، علماً بأنَّ زواجنا لم يكن بالأمر السهل، فأنا ذات دخل محدود جداً، وعملت المستحيل ورفضت اعتراضات أهلي وطلبهم الانتظار قليلا حتى أكوّن مستقبلي. ولكن علاقتنا، التي دامت ثلاث سنوات، كان لابدَّ أن توضع لها أطر رسمية حتى تعيش. ولكن للأسف، اليوم لا أنصح بالتورط بعلاقات ما قبل الزواج".
قصة زياد ورزان حافلة بالتحديات؛ يقول زياد: "أحببت خطيبتي رزان وأنا في الصف التاسع.. كنت أكتب لها على جدران المدرسة وأمام منزلها كلمات الحب وأحرف اسمينا. ولكن الأهل اعترضوا تماماً، وترافق ذلك بقرارات المنع من الخروج والتحدث على الهاتف. وبعد فترة، قرَّر أهل رزان السفر إلى أستراليا. وهنا قرَّرت أن أكمل دراستي في مصر. ولكن البعد الجغرافي لم يستطع أن يفرقنا، حيث كان (التشات) على الكومبيوتر الطريق الوحيد للاستمرار. وبعد عودتها من أستراليا، خطبتها رغماً عن أنف الجميع، وزواجنا في الصيف المقبل".
أما عدنان وسمر، وهما من طرطوس أيضاً، فقصتهما استطاعت أن تتخطى عتبات الأيام الطويلة، وأن تصل إلى بر الأمان.. أحبا بعضهما وهما في الصف العاشر، واعتقد المحيطون بهما أنَّ القصة مجرد مراهقة مجنونة من عدنان، وأنها كقصص الأصدقاء ستنتهي مع دخول الجامعة. ولكن القصة استمرَّت، وخيوط نجاحها تجمَّعت فالسنون صقلت القلوب والعقول بالتفاهم الذي جاء بعد مصادمات كثيرة؛ تقول سمر: "منذ سنوات وأنا أفهم ما يريده من مجرد النظرة الصغيرة". ويعتقد عدنان أنَّ أكبر دليل على النجاح هو انتظار سمر، حتى أصبح يستطيع الزواج، بسبب ظروف الحياة الصعبة، وهما في عمر 27 سنة. أما الأهل، فكانوا يعلمون أنه إن لم يتزوج عدنان سمر فالأخيرة لن تتزوج أبداً، لأنَّ الجميع يعلم بعلاقتهما.. واليوم تكللت القصة بالزواج، لكن الجميع ينتظر أن يصاب بمرض الملل المبكر.
رفضُ البعض لوجود العلاقات العاطفية أو تأييده لا يمنع من القول: إنها حالة طبيعية توجد في أيّ مجتمع، سواء أكانت سرية أم علنية، مرفوضة أم مؤيدة، شاملة أم محدودة.. وقد تكون هذه العلاقات أول خيوط الحب، التي تؤهل لنسج قصص قد تطول أو تقصر.. ترى النور أو تقتل في ظلمات المراهقة والعبث.. العلاقات جزء من الحياة التي تبنى على التجارب بفشلها ونجاحها.. ولكن العاطفة -ربما- ركن الحياة الزجاجي المهدد بالكسر من أيّ عبث أو رياح غير منتظرة