RSS

للحصول على اخر الاخبار اول باول وقت حصولها يمكنك الاشتراك بخدمة RSS عبر الرابط التالي:

الارشيف


الاسبوع الماضي









محرر أون لاين


 تحية
 رقيقة لكل
 القراء الاعزاء
 الذين يرافقوننا خلال هذه الفترة

تصويت

إذا تزوجت عن حب ... فأنت تزوجت حبيبتك... و إذا تزوجت زواج تقليدي ... فأنك تزوجت حبيبـة غيرك ما رأيك

نعم
لا
ربما



القائمة البريدية

البريد الالكتروني:


أنا مُصَابٌ بإنفلونزا الجّنازير ، و بلا دواء !!

مساهمات القراء

أنا مُصَابٌ بإنفلونزا الجّنازير ، و بلا دواء !!
أنا مُصَابٌ بإنفلونزا الجّنازير ، و بلا دواء !!

كنتُ مُتمدّداً وحدي على سريري الطّويل العَريضِ و الذي يتسعُ لأربعةِ أشخاصٍ بمقاس XXL و بكلّ الأوضاع ، و لكنّه و حتّى اللحظة لم يعرفْ سِوى رائحتي و شَغبي و سَهري و قلقي ،


 و كُنتُ متألماً بجزءٍ ما من جهازي التَّنفسي لا أعرفُ ما هو بالتحديد لسببينِ أساسيينِ أحدهما أنَّ المرضَ و الحمدُ لله ( و بعد ما شاء الله علي ) لا يُحبُني و لا أحبّهُ ، إضافةً إلى أنّني أُكرّرُ في نفسي أنّ مناعتي قويةٌ ضدّ المرضِ تماماً كما هي ضدّ الرّاحة !! ، و هذا ما جعلني عكسَ المُبتلينَ بكثرةِ الأمراض ( عافاهم الله ) عديمَ الخبرةِ بمكامنِ الوجعِ و أسبابهِ و طريقةِ التّعبيرِ عنه ، و كذلك في معرفةِ الطريق إلى شفائهِ بدونِ الحاجةِ إلى طبيب و حتّى في معرفةِ عناوين الأطباءِ الذين يصلحون لعلاجي فيما إذا كانَ لا بدّ من زيارة الطّبيب ، أمّا السّببُ الآخرُ فهو أنّني كُنتُ كسولاً في مادةِ العُلومِ التي كنا ندرُسُها في مدارسنا بطريقةٍ جافّةٍ و تقليديةٍ ، و هي التي كانتْ تُعنى في بعضِ أقسامِها بدراسةِ و تشريحِ الجّسمِ البشري بما في ذلك الجّهازُ التّنفسي ، و لم أكُن أُتابعُ إلا بالصُدفة الدّراساتَ و الأخبارَ التي تهتمُ بالجوانب الطّبية و السّببُ في ذلك هو هَوسي غيرُ الصّحي تماماً بكلّ ما لهُ علاقةٌ بالأدبِ والثقافة و السّياسة و المجتمع و الرّياضة ! .



و بدأتُ أتقلّبُ أكثرَ من عشرِ مرّاتٍ في الدقيقةِ ، مرّةً أنامُ على بَطني و مرّةً على أحدِ جَنْبيَ ، و مرّةً أطوي جَسدي و مرّة أَفرِدُهُ ، مرّةً أضعُ رأسي فوقَ المَخدّة و مرةً أعيدُ رأسي كما أحبُّ و أفعلُ عادةً لتحتِ المخدّة ، و كلّ ذلكَ لأنشغِلَ عن الألمِ الخفيفِ الذي اكتشفتُ بعدَ طولِ تفكيرٍ أنّه ربما كانَ في حَلقي ، و أنّه زارني اليومَ دونَ موعدٍ كما يفعلُ المرضُ عادةً مع الجميع .

و لمّا فشِلتُ في العُثورِ عن سببٍ أتّهمهُ بالمرض خَطَرَ ببالي خاطِرٌ أسودٌ له مبرارتُهُ جَعلني أراجِعُ تاريخَ معلوماتي الطّبية في آخر شهرين ، و بدأتُ أبحثُ عن أعراضٍ أخرى مرافقةٍ لوجعِ الحلقِ لأُقرِّرَ إن كُنتُ قد أُصِبْتُ بعدوى ذاكَ المرضِ اللّعينِ و القبيحِ التّسمية (إنفلونزا الخنازير ) و الذي جَمّلهُ البعضُ ( أو زوّرهُ لغايةٍ في نفسهِ ) بمُصطلحٍ أجنبيٍ مختصرٍ يُقالُ لهُ H1N1 .





المُهم و بالعودةَ إلى حَلقي ، تذكرتُ أنّ من ضمنِ ما قرأتُ عن هذا المرضِ أنّ أحد أعراضهِ التهابٌ بالحلق ، و بدأتُ أعصِرُ ذاكرتي حتى تذكَّرتُ أنّ من ضمن الأعراض أيضاً ضيقٌ في التنفس .

شَهَقتُ و زَفِرْتُ مرّاتٍ متتالية و بسرعةٍ و ارتباكٍ ، و ها أنا أتأكّدُ أنّ عندي فعلاً مشكلةٌ ما بالتنفسُ و هنا قفزتُ من السريرِ كالمجنون بعدَ قرابة السّاعتينِ من التّقلب و التّفكيرِ ، و شغّلتُ جهاز الكمبيوتر و معه الإنترنت و صديقي العزيز ( جوجل ) أدامهُ اللهُ يُلبّيني لمّا أحتاجُهُ في ظلّ ندرةِ الأصدقاءِ و .. الأوفياء ! ، و بدأتُ أبحثُ عن أعراض المرض السّيءِ الذِكرِ بالتّنقلُ بين المواقعٍ الإلكترونية لأصلَ إلى نتيجةٍ تُريحني أو إلى نتيجةٍ تجعلني أطفئُ الجّهاز على عجلٍ و أرتدي ثيابي كيفما اِتـُّفِقَ ثمّ أمتطي سيّارتي لأيّ مستشفى قدْ يُعالِجُني من مرضٍ لم يكنْ ينقصني وجعاً و تعباً و قلقاً من الدنيا إلا هو ! .



سيلانٌ بالأنف : الحمد لله لا يوجد و ها أنا أعصرُ أنفي بمنديلٍ و بقوّة لأتأكَدَ ، إجهادٌ جَسدي : الحمد لله لا يوجد و الدليل أنني قفزتُ من سريري إلى طاولة الكمبيوتر قفزةً فيما لو قفزتُها في إحدى المُسابقاتِ العالمية للقفز لفُزتُ بفضلها على أقلِّ تقديرٍ بالميدالية البرونزية ، العُطاسُ : لا لم أعطُسْ اليوم و على الأقل من ساعةِ إطفائي للنّور و اندساسي تحت الغطاء الخفيف ، سُعالٌ : الحمد لله لا يُوجد و بكلّ أشكالهِ ، ارتفاعٌ بالحرارة : يُوجد و هذا مؤشرٌ خطيرٌ و لكن قد يكونُ سببه أنني خفّضتُ درجة برودةِ المكيفِ للنصفِ لكي لا تتأزّمَ حالتي ، أما عن ألم الحلق فقد كانتْ النتيجة إيجابية و كذلك بخصوص ضيقِ التنفس رغم أنني كنتُ متوهماً و موسوساً كعادتي بخصوص أنني أعاني حقّاً مشكلةً في التنفس ، و مما زادَ الأمر سوءاً الأخبار التي كانت تقفِزُ كخنزيرٍ بَشعٍ أمامي على الشّاشةِ من بين نتائج البحثِ الذي كانَ يُكرمني بها الـ ( جوجل ) و التي تُفيدُ بأنّ عددَ الوفياتِ في هذا المرضِ اللعينِ في السعودية وصلَ لستّة ( حتى تاريخ كتابة المقال وصل العددُ لسبعة ) و أنّ اثنين منهم تُوفيا في مستشفىً لا يبعدُ عن بيتي سوى دقائقَ معدودةٍ بالسّيارة ، و أنّ معظمَ الحالاتِ اِتُهمتْ فيها الجِهاتُ الطّبيةُ بالتّقصير ِفي تشخيصها رغمَ أنّ الكلّ أجمعَ أنّ المرضَ لا يُعدّ بالمرض الخطر و أنّه يشبهُ لدرجةٍ كبيرةٍ الإنفلونزا العادية و خطورتهُ تكمنُ في التأخر بالعلاج و في حالاتٍ خاصةٍ لبعض الأشخاص المبتلين أصلاً بأمراضٍ أخرى ، و مع ذلك فقد تمّتْ مُطالبةُ الجميع بالحذر الشّديد الذي دفعَ الشياطينَ لتُوسوِسَ في رأسي بأفكارٍ سوداءَ و غريبةٍ و غيرِ مسبوقةٍ بالنسبة إلي و خاصّةً أنّ الأمرَ يتعلقُ بوضعي الصّحي الذي كُنتُ أتباهى بهِ دوماً بل و أتحدى بهِ كلّ المحاذيرِ .



أطفأتُ جهازي بعدَ أن اطمأننتُ نوعاً ما وعاودتُ محاولاتي للنومِ لاستقبالِ نهارٍ جديدٍ و كانَ لي ذلك أخيراً ، و في اليومِ التّالي كُنتُ أفكّرُ بالكيفيةِ التي انتقل إلي المرض بها ، فتذكرتُ أنّ أحدهم عطس أمامي عطستين كبيرتين ، و اتهمتُ سُعَالَ آخر ، و شككتُ بأحدهم و الذي فرض الشوق على كلينا أنْ نُقبِّلَ بعضنا في سلوكٍ يعدُّ الأسرعَ و الأسهل والأكثر جدوىً لنقلِ المشاعرِ بصورةٍ حميميةٍ وصادقةٍ ( إذا افترضنا أنّه لم يكن نفاقاً ) ، و لِنَقْلِ عدوى الأمراض بطريقةٍ تراجيدية !! .



و حتّى المساءِ استمرَ ألمُ الحلقِ و لكنْ هذهِ المرّة مع ظهور عارضٍ جديدٍ و مرعبٍ بالنسبة إلي و ذلكَ طبعاً لتكتمل ( التراجيديا النّائلية ) !! ، حيث بدأ السُعالُ و العُطاس بالشغب الخفيفِ بين الفَينةِ و الأخرى ، و هكذا وصل عددُ الأعراضِ الدّالة على المرضِ اللعين إياه إلى خمسةٍ ، و بدأتُ أنا حينها أختارُ في نفسي المُستشفى الذي سيحظى بالاحتفال بضحيةٍ جديدةٍ للإنفلونزا اللعينة !! ، و نِمْتُ بصعوبةٍ على أملِ أن أستيقظَ و أنا مُعافىً و لا أعرِفُ كيفَ مَسكتُ النومَ في تلكَ الليلةِ و أرغمتُهُ أن يلبِسَني .

و بطريقةٍ غريبةٍ و مفاجئةٍ استيقظتُ لوحدي بعدَ أقلِّ منْ أربع ساعاتٍ من النّوم و هنا زادَ ارتباكي و صِرْتُ أربِطُ في سلوكٍ متوقعٍ مني بينَ ما حَدَثَ معي على غير العادة و بين المرضِ الغريبِ الأطوارِ قبلَ أن أرغِمَ نفسي أنْ تطرُدَ وِسواسَها الغريبَ و المفاجئَ و الوقحَ أيضاً بعدَ نِصْفِ ساعةٍ من هذا الاستيقاظ المباغتْ لأُتابِعَ النّومَ حتّى وقتٍ متأخرٍ من الصّباح .



و استمرَ نهاري بحلقٍ موجوعٍ و فِكْرٍ مفجوع ، و لم أزلْ رغم قلقي و خوفي و وساوس الشيطانِ لعنهُ الله مُصرّاً أنْ لا أذهبَ إلى الطّبيبِ حتّى أتأكدَ بنفسي أنّ الأمرَ وصلَ لدرجةٍ خطرةٍ و حينها سأتكرمُ على أيّ مستشفى ليُعلِنَ أنَّ حالاتِ الإصابة بالمرضِ السّيءِ الذّكر قدْ زادتْ واحدةً و هذه المرّة لرجلٍ يدّعي أنّه رسولُ الإحساس !! .



و بقيتُ هكذا طيلةَ النّهار الذي منّ علي بأنْ كانَ قسمٌ كبيرٌ ممنْ أضطَرُ أنْ أكونَ بقُربِهم أو بمواجهتهم مُصابونَ بأعراضِ الإنفلونزا بأحدِ أنواعها باعتبارِ أنّ أعراضَ هذا المرضِ باتتْ معروفةً و بالأخص بالنسبة إلي !! ، و عندَ المساء نُصِحتُ و عن بُعدٍ ( باعتبار أنّي وحيدٌ ) من قِبَلِ أحدِ الأحبةِ و أهل الخبرةِ بأنْ أكُفَّ عن التّوهُمِ و أطرُدَ وساوِسَ الشّيطانِ نهائياً من أفكاري ، و ألجَأَ إلى الزّعترِ الأخضرِ المَغليِ و المُحلّى بالعسلِ ، و إلى رُقيةِ النّفس بالقرآن ثمّ مصالحةِ الأطباء في صباحِ اليومِ التّالي و التّكرمِ عليهم بزيارةِ رسولِ الإحساس إلى لأحدهم بعد خصامٍ طويلٍ . و بالفعل احتسيتُ أكثرَ من كوبٍ من الزّعتر المَغلي أحْسَسْتُ بعدها بتحسُنٍ ملموسٍ جعلني أتراجعُ عن مَكرُمَتي التي وَعَدْتُ بها الطبّ و الأطباء ، و أعيدُ النّظرَ بأسبابِ مرضي ( الخجولِ ) ، فحوّلتُ اتهاماتي إلى المُكيّفِ الذي لا يُفارق حَرّ مدينةِ الدّمام في تناحرٍ دامٍ بينِ الحرّ الطّبيعي و بين البردِ الصّناعي ، و إلى الماءِ الذي أدمنتُ شُربهُ بارداً بُرودةَ الثلج صيفاً شتاءً و بطريقةِ ( الزرنئة ) أي بإمالةِ الرّأسِ للخلفِ و الشُّربِ بطريقةِ الإسقاط المباشر للحلق بدونِ ملامسةِ الإبريق ! ، و هي العادةُ السّيئةُ صحياً التي لم أستطعْ أن أتوقف عنها و لم يستطعْ أيّ كُوبٍ فارغٍ أن يغريني بملْئِهِ بالماء ثم شُربهِ بلْ أذكرُ أنّني في أيامِ بعيدةٍ كنتُ أتباهى أمامَ رِفاقي بقدرتي الفائِقةِ على ( الزرنئة ) برفعِ الإبريقِ لأعلى مستوىً و الشُّربَ بدونِ أن تطيشَ قطرةُ ماءٍ واحدةٍ خارجَ الهدفِ !! .



في اليومِ التّالي كرّرتُ العِلاجَ ( الزّعتري ) مع حُبوبٍ مُلطِّفةٍ للحلقِ اِبتعتُها من الصّيدلية عند الظّهيرة ، و مع مرورِ الوقتِ تأكّدتُ أنّ كلّ ما جرى معي لا علاقةَ له بإنفلونزا الخنازير لا من قريبٍٍ و لا من بعيدٍ ، و أنّ المرضَ الحقيقي الذي اِبتُليتُ بِهِ في الغربةِ هو إنفلونزا الجنازير !! .



نعم .. فأنا مُكبّلٌ كلّياً ، الرّوحُ مكبّلة و الذّاكرةُ مكبّلة و كذلك الفِكرُ و الجَّسدُ ، و الطّعنةُ الأخيرةُ قدْ لا تُوجعُ بذاتِ القَدْرِ الذي أوجِعتني فيهِ الطّعنةُ الأولى لكنّها قدْ تقتّلُني !!! .



و صِرتُ أسألُ نفسي : لمَ لبِسْتُ الوهم لمجرَدِ ألمٍ خفيفٍ في الحلق لم يمنعني لا عن الطعام ولا عن الشّراب ؟ ، و متى كُنتُ ألتفِتُ لألم خفيفٍ أو قوي يُصيبني !؟ ، ألمْ أخاصم الأطباءَ و امتنعْ عن زيارتهم إلا مرّة واحدةً أو مرّتين منذُ عشرين عاماً !؟ ، ألمْ تثبتْ كلُّ التقاريرِ و الأخبارِ و الدراساتِ أنّ هذا المرض برغمِ كلِّ شيءٍ لا يُعَدُّ مُميتاً بلّ أنّ نسبةَ الوفيات من جرّاء الإنفلونزا العادية حتّى الآن أكبر من نسبةِ الوفيات التي حدثت حتّى الآن للإنفلونزا ( الخنازيرية ) .



أمّا الجوابُ الوحيدُ لكلّ هذه الأسئلة فهو : لأنّني متعبٌ و موجوعٌ و حزينٌ و مهمومٌ و أسيرٌ و مكسورٌ إلى الدّرجةِ التي لم أعدْ أُطيقُ فيها أن أستقبلَ أيّة ضربةٍ جديدةٍ لا صغيرةٍ و لا كبيرةٍ ، لا بحجمِ إنفلونزا الخنازير و لا بحجم إنفلونزا العصافير ، لا خوفاً من المرض و لا من الموتِ بلْ لأنّ الآهاتِ المخبأةَ في صدري تُستعمَلُ لألفِ استعمالٍ من النّوعِ المُلِحِّ !! ، فمنْ أينَ أحصُلُ على آهاتٍ إضافيةٍ أُرضي فيها مجرّد نوبةِ بردٍ أو نوبةَ ضياع ! .



ثمّ إذا مَرِضتُ فمن ذا الذي يَعتني بي كما أتوقُ و كما أستحق ؟ ، و منْ يَنَامُ بقُربي و بقربِ آلامي ليُطَمئِنَني أنّني بخير !؟ ، من سيمسَحُ جبيني و خَدّيَ بكفّيهِ ليَطمئنَ إلى حرارتي و يُجهّزَ لي الكمّادات الباردة و يُبدّلها باستمرار !؟ ، من سيُعطيني الدّواء في وقتهِ و الأملْ في وقتهِ و الحنان في وقته !؟ .

منْ غيرُ وِحدتي يُمكنُ أن تَسمَعَ أنّاتي و شَكوايَ !!؟ ، هي التي راهنتْ على أنّني سأخسرُ رهاني في أنْ أعتزلَ النّاسَ و نفاقهم و أقنعتهم و مهرجاناتِ الكذب خاصّتِهم و بقيتُ الكاسِبَ الأكبر رغم كُلِّ خساراتي !! .



نعمْ .. أنا مُكبَّلٌ بسلاسلِ الغُربةِ اللئيمة ، و صوتُ أمّي تتنهدُ : \" الله يرضى عليك .. \" يُتعِبُني ، و صوتُ أبي الحنون يخاطِبُني بدلالٍ : \" نألوشة \" يُحرِجُني ، و مدينتي الصغيرة البعيدة مشتاقةٌ لصلاتي أن يبعثَ اللهُ ذاكَ النّهر الذي غَضِبَ اللهُ على أهلها فحرمهم منه فيبستْ أشجارُ الوادي و تَيَتَمَ الأخضرُ فيه و هجرهُ المُصطافونَ الذين كانوا يقصدونهُ من مسافاتٍ بعيدةٍ ، و ( قاسيون ) الشّامخُ شموخَ الشّامِ يبحثُ عن عُيوني تَلمَعُ من مرأى دمشق و هي تلبِسُ ثوبَ نومها لتنام ، و رائِحةُ الياسمينِ الدّمشقي تبكي و ترجوني أنْ أعودَ لشوارعِ و حاراتِ دِمشق لأشُمَّها بالطريقةِ التي تُحبُّها و تغريها و لا أستطيع تلبيتها إلا بالتخيّل .



أنا لا أخافُ من الموتِ ، فالميّتُ لا يخافُ من ميتةٍ أخرى قدْ تُريحهُ ، و لستُ خائفاً من المرض فالمرضُ الأخطرُ يستوطنُ جسدي و روحي و ذاكرتي ، و لكنّني خائفٌ من أن لا أجِدَ الوقتَ الكافي للبكاءِ و النّوحِ و السّهر و .. القصائد ! .



نعم .. أنا بغايةِ الحُزنِ و القَلقِ و الضّيقِ و الألمِ ، و مَرضي خَطيرٌ جِدّاً يا أصدقائي و مُعْدٍ و لا أعرِفُ متى أُشفى مِنهُ ، فابتعدوا عنّي فأنا أخافُ على ضَحِكاتِكمْ و ( غمّازاتكم ) أن تتكسّر ..

ابتعدوا عنّي ، فلا أنا قادرٌ – كما كُنتُ – على فتحِ أحضاني لتبكوا فيها ، و لا أنتم قادرين ( أو مستعدين ) على أنْ تمسحوا دموعي و تواسوا آهاتي .



نعم يا أصدقائي ، فرسولُ الإحساس الذي تعرفونَ أصبحَ اليومَ عَصبياً و مزاجياً أكثرَ من أوّل ، كثيرَ التّفكير و الشّرود ، قليلَ الكلامِ ، حزين النّبراتِ ، مُتعَبَ النّظراتِ ، غَريبٌ بأفعالهِ و بِرَدّاتِ أفعالهِ .

و لذا فأنا أُناشدُ الذين لا يُطيقون هذه الأجواء ( النّائليةَ ) السَوداويةَ التي تمرُّ علي ( و أقصدُ الكلّ تقريباً ! ) أن يبتعِدوا عنّي و عن أجوائي و عن كتاباتي و عن دمعاتي و عن أنّاتي و عن صرخاتي و عن دمائي بأسرع وقتٍ حِرصاً على سلامتهم و .. براءتهم !! ، خاصّةً أنّ حالتي المَرضيةَ مُرَشّحةٌ للمزيدِ من التّدهور لسوءِ تشخيص الأطباءِ لحالتي ، و لعجزِهم و عَجزي أنا معَهم عن إيجاد الدّواءِ الشّافي الذي قدْ يُعيدُني لأكونَ على مقاسِ ِطلباتِ و رغبات الجّميع بالظّبط !! .



أنا مُتعبٌ جدّاً و مُمَزّقٌ و سماواتي غيومُها تُمطرُ نَكَداً و الخريفُ يستوطنُ روحي ، و مع ذلك فحالتي ليسَ ميؤوساً مِنها ، و أنا مُؤمنٌ أنّ الرّبيعَ آتٍ لا محالةَ و إذا لمْ يأتِ فسأحاولُ أنْ أبحثَ عنهُ بعدَ أنْ أفرغَ من انشغالي بالبحثِ عن ألف شيءٍ ضاعَ مني ، و افرغَ من انشغالي بالمحافظةِ على عقلي من الضّياع !! .



يا أحبائي .. أوَدُّ أن أُخبِرَكمْ بالمزيدِ من التّفاصيلِ عن حالتي و أُحذّركم مني أكثر ، و لكنّني مُضطرٌ للتوقف هاهنا لأنّني عَطَسْتُ عَطسَةً كَبيرةً و أخافُ أنْ ............. !!! .


 

2009-08-12 07:58:22
الكاتب: نائل شيخ خليل - شام بوست
طباعة






التعليقات