![]() |
|
إذا تزوجت عن حب ... فأنت تزوجت حبيبتك... و إذا تزوجت زواج تقليدي ... فأنك تزوجت حبيبـة غيرك ما رأيك
هبة.. طفلة ليست كسائر الأطفال، تتوق إلى اللعب والمرح والذهاب إلى المدرسة، لكن مشوارها الأطول حتى الآن كان إلى عيادة الطبيب،ثم إلى مركز غسل الكلى، وذلك بعد أن توقفت كليتاها عن أداء وظيفتهما في جسدها الصغير، فتحول المشوار المشتهى إلى رحلة من العذابات بكل ما يرافقها من آلام ومعاناة لا يقوى حتى الكبار على احتمالها...
الآلام والمعاناة لن يقتصرا بعد الآن على هبة، فحياة العائلة انقلبت من اليوم الأول لإعلان الطبيب أن الغسيل هو الحل الوحيد لبقاء الطفلة على قيد الحياة، وإن كان على هامشها.
تقول أمها: حرمت ابنتي من أبسط شروط الطفولة، فلا هي قادرة على أكل ما تريد وحتى الماء محدد لها بالقطرات، أما صديقتها الوحيدة، فهي اليوم آلة غسل الكلى.. إنها الوحيدة التي تبقيها على قيد الحياة هبة واحدة من آلاف السوريين من أعمار مختلفة، ممن وجدوا أنفسهم وحياتهم معلقة بجهاز لا يمكن أن يكون الحل الأمثل لمن يريد حياة طبيعية.
مشكلة سورية بامتياز..
يدخل إلى قائمة المصابين بما يسمى (قصور كلوي مزمن انتهائي) نحو 120 سورياً وهي بحسب الدكتور مصطفى حبش الأخصائي بأمراض الكلية وجراحتها من أعلى النسب في العالم، مضيفاً أن 60% من هؤلاء يحتاجون إلى زراعة كلية، ويقول حبش، إن 1200 سوري يحتاجون إلى عمليات زرع كلية سنوياً، وهذا الرقم لا يمكن استيعابه حالياً لعدة أسباب أهمها عدم توفر المتبرعين وعدم وجود قانون واضح للتبرع، ليأتي بعدها القرار الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء والقاضي بمنع المستشفيات الخاصة من إجراء عمليات زرع الكلية وهي التي كانت تسهم بحوالي 50% من أعداد العمليات المنفذة في سورية، وهو ما أدى بحسب العديد من الأطباء إلى توجه بعض المرضى إلى بلدان أخرى طلباً لعملية الزرع وكثيراً ما كانت النتائج مخيبة وأحياناً مأساوية.
عودة إلى الوراء عن تاريخ زرع الكلية في سورية رسمياً، يقول الدكتور مصطفى حبش، إنه يعود إلى عام 1985 وتحديداً في مركزي المواساة وتشرين العسكري، حيث كان من المتبرعين الأحياء والأقرباء حصراً، وكان يجرى ما بين 25 إلى30 عملية زرع سنوياً حتى عام 1996 ثم ارتفع رقم الزرع الكلّي من متبرعين أحياء أقرباء ليصل في سورية إلى 130 مريضاً عام 2001 ولكن أغلبهم كان يجري زرع الكلية خارج سورية، في بلدان فيها زرع كلية تجاري مثل الهند، مصر، الباكستان، العراق ليعود المرضى باختلاطات متنوعة داخلية وجراحية.
أما داخل سورية فالعدد اقتصر على 45-60 كلية سنوياً وفي عام 2001 تم تأسيس مركز في مستشفى الكلية الجراحي بالتعاون مع الخبرات الجراحية من وزارة التعليم العالي وتم البدء بأخذ الكلى من متبرعين أحياء غير أقرباء ضمن معايير حددتها وزارة الصحة وارتفعت نسبة الزرع السنوي بناءً على ذلك من 180 إلى 210 كلى سنوياً، وتناقصت تدريجياً الزروع خارج سورية ففي عام 2007 بلغ عدد الزروع في الخارج 3 زروع كلوية مقابل 335 زرعاً داخل سورية ضمن القطاع العام والخاص.
تجريب المجرب
تتزايد يوماً بعد يوم أهمية استصدار قانون عصري يكون حلاً لمشكلة الاتجار بالأعضاء، وذلك للتخلص من شبكات السمسرة التي يعلن عن اكتشافها مابين حين وآخر، وكلنا يتذكر قصة الشابين السوريين اللذين غرر بهما من قبل شبكات سمسرة عابرة للحدود والتي كانت نتيجتها وفاة أحدهما في مصر بعد استئصال كليته وغيرها من الحوادث المأساوية التي لا يمكن أن تجد نهاية لها قبل إقرار خطة وطنية تستفيد من تجارب البلدان الأخرى في هذا المجال.
ولتحسين شروط التبرع ومنع ظاهرة السمسرة والاتجار بالأعضاء، لابد من مراجعة موضوع التبرع من متبرع حي غير قريب والذي اشترط القانون فيه أن يكون مجاناً، والاستفادة من تجارب دول أخرى مثل إيران والسعودية، وتتجه آراء المختصين من الأطباء والقانونيين في هذا الخصوص إلى ضرورة تأسيس مؤسسة حكومية تنظم عملية التبرع وتنظم العلاقة بين المتبرع والآخذ، كما تبحث في أمور إعطاء مكافأة، إما عينية كالفلبين والسعودية كالتأمين الصحي أو تأمين عمل للواهب أو مساعدة مادية تتوزع على كل من الآخذ والمؤسسات الأهلية والحكومية كتجربة إيران.
الوفيات الدماغية.. حل آخر
وزارة الصحة جادة حالياً بتفعيل التبرع من الجثث لجهة البدء في تشكيل لجان، على الرغم من أن الجثث لن تحل مشكلة التبرع بالأعضاء بسبب صعوبة تأمين الأعضاء كإحدى التجارب العالمية (أمريكا) التي كانت تعتمد منذ عام 1960 وحتى 1990 على 90% من الأعضاء من الجثث.
أما الآن تقلصت النسبة إلى 60% من الجثث و40% من الأحياء لتخفيف قائمة الانتظار، ويبدو أن هذه التجربة مازالت تلاقي رفضاً اجتماعياً في سورية، رغم كل الدعوات لانتهاجها.
قوانين.. قانون إشارات الاستفهام
قرار مجلس الوزراء بتحديد إجراء الزروع في المستشفيات العامة لمنع الاتجار بالأعضاء أنقص عدد الزروع إلى 252 زرعاً عام 2008، علماً بأن وزير الصحة سمى 8 مراكز للزرع، وهذا القرار لم يحل مشكلة الحصول على العضو، لأن مصدر العضو هو نفسه في العام والخاص، كما أن معاناة المريض زادت بسبب عدم وجود أي طريقة للحصول على عضو من متبرع حي غير قريب والسيدة (غ - د) هي خير دليل على مدى صعوبة الحصول على كلية، فبعد إصابتها بالفشل الكلوي بدأت عملية البحث عن كلية ووضع الإعلانات في وسائل إعلامية متنوعة ليأتي بعدها حوالي 2000 متبرع بكليته في وسط مشبوه من الممتهنين مثل هذه التجارة والبزنس أو ممن يعملون كبوابين أمام المستشفيات، أو من أصحاب المهنة الشريفة (أطباء سماسرة).
قانون بحاجة إلى تطوير
وعن الثغرات الموجودة في القانون، فقد اختصرها المحامي أسامة برهان بعدم وجود قانون يمنع الاتجار بالأشخاص وعدم وجود جهة ينتقل إليها البيع مباشرة، فبعض المواد القانونية التي تنظم حالة التبرع بالأعضاء المادة2 من القانون رقم 30 لعام 2003 ينص على أن لا يتم تنازل المتبرع عن أحد أعضائه أو جزء منه لقاء مقابل مادي أو بغاية الربح ويعاقب القانون المتعلق بنقل الأعضاء وزرعها، من يخالف أحكامه بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين، وبالغرامة من 5000 إلى 10000 ل.س، ويعاقب القانون الجديد على الاتجار بالأعضاء بالأشغال الشاقة المؤقتة وبالغرامة من 50000 إلى 100000 ل.س».
لكن هذا القانون بقي حبراً على ورق، والسائد هو التبرع بين الأقرباء، ما شجع الاتجار بالأعضاء وفق معادلة استغلال الأغنياء واستغناء الفقراء لأعضائهم، ما جعل بعض الدول تصدر بعض التشريعات القانونية لمنع الاتجار، مثل إيران.
فسحة أمل
قد لا نصل في السنوات العشر القادمة سوى إلى تأمين 10 أو 15% من الحاجة الفعلية إلى الأعضاء من متبرعين أحياء أقرباء أو غير أقرباء، كما أن معايير تعميم الموت الدماغي أتفق عليها في العالم نهائياً وتشكلت لجان خاصة ذات خبرة توجد في كل مكان في العالم للأخذ من الجثث، وهو ما تم بحثه هنا عبر الحديث عن إنشاء مركز وطني منظم ووسائل نقل (طائرات) لجلب الأعضاء، حيث يكون كل مريض مبرمجاً على حاسب خاص وحسب العضو المراد زرعه وضمن معايير واضحة يمكن اختبار المريض المناسب للعضو المأخوذ من الجثث، كما يمكن تنفيذ الأمر على مستوى محافظة وريفها، علماً بأنه تم وضع مشروع مصغر لذلك عام 2002.
ولا يدّعي المشجعون والداعمون لهذا المشروع أنه سيكون بالسهولة المتوقعة إنجازه، سواء على المريض أم المتبرع أم على مستوى الإجراءات المطلوبة أم المستوى الإعلامي أم الاجتماعي أم الثقافي لنشر ثقافة التبرع وتشجيعه من الجثث والأحياء، خاصة أنه يزيد عدد المرضى بالقصور الكلوي المزمن الانتهائي 1200سنوياً 60% منهم بحاجة إلى زرع كلية.
مشاكل وحلول
المشكلة أنه لا يوجد إحصاء بعدد الكلى التي تحتاجها سورية، فهل يكون التبرع عادياً عند كل الناس؟ بل يقتصر على العاطفة المحددة بقرابة من الدرجة الأولى.
وأضاف برهان، إن الأزهر أجاز التبرع شرعاً بأعضاء الأشخاص المتوفين أو المحكومين بالإعدام لكن هذا الرأي الفقهي أثار الكثير من الجدلية في مصر، إما من مبدأ أنه لا يوجد إرادة للميت أو المحكوم بالإعدام للتصرف بأعضائه دون موافقته، أو من مبدأ احترام جثث الموتى الحل الأمثل بحسب المحامي برهان هو حملة وطنية للتوعية بالموضوع وتشريع قانوني جديد نابع من الواقع العملي ومن تزايد الحاجة الوطنية والاستفادة مما ذهبت إليه إيران بإنشاء المركز الوطني للأعضاء لا يعرف كل من المتبرع والآخذ أحدهما الآخر بمقابل مكافأة من قبل المركز للمتبرعين بأعضائهم لقاء حاجتهم المادية وما يحدث على أرض الواقع هو العكس تماماً، فالموضوع مقتصر على العمليات الجراحية التي تتم خارج القطر أو داخله عند بعض الأطباء وبعيادات خاصة لقاء كتاب عن كاتب العدل يتنازل فيه المتبرع بأعضائه وهو نوع من الاحتيال على القانون وليس تطبيقاً له ويكرس عصابات كثيرة تستغل فقر وحاجة الناس للعمل بموجب إعلانات تنشرها في الصحف عن عمل ما، ليتم استجرارهم في ما بعد وسرقة أعضائهم.
لا مانع ديني
لا يوجد نص شرعي يتناول موضوع التبرع بالأعضاء، هذا ما أوضحه الدكتور محمد حبش مدير مركز الدراسات الإسلامية، لأنها قضية محدثة، ومن الطبيعي أن يحدث اختلاف العلماء في التحليل أو التحريم بحسب خلفياتهم الثقافية، وننطلق من مبدأ أن التبرع بالأعضاء عمل نبيل وشريف تـأكدت الحاجة إليه طبياً وإنسانياً وثبت نجاحه، ويدخل في عمومه قوله تعالى «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً» لذا نطالب بتشكيل لجنة لإصدار الفتوى السورية تضم عدداً من علماء الشريعة والقانون والطب لدراسة الاحتمالات المختلفة لظاهرة التبرع بالأعضاء وأدعو إلى التبرع بالأعضاء في حال الموت السريري، إذا أوصى بذلك المتبرع وأشجع على كتابة وصية لذلك، وأتمنى على الجمعيات المعنية بهذا الجانب الخيري أن تصدر مطبوعات تشتمل على هذه الوصية ليسجل أكبر عدد من الناس وصية بهذا المعنى وتكون في عهدة الدولة، بحيث تتم الاستفادة من أعضائهم في حال موتهم سريرياً، خاصة بعد إثبات عدم التضرر من التبرع بالأعضاء مثل الكلية أو القرنية، من جهة أخرى هناك من يذهب إلى أن الناس في الأصل متبرعون، إلا إذا سُجل اعتراض على هذا التبرع، وتعتمد عدة دول هذا النوع ولكني أعتبره نوعاً من المبالغة، وتقع على الخطاب الديني مسؤولية التنوير والتوعية.
موت دماغ أم توقف قلب؟
كما أوضح الدكتور محمد حبش أن الوفاة تتحقق بأحد أمرين، إما موت الدماغ وتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائياً أو توقف القلب والتنفس توقفاً تاماً وحكم الأطباء أن هذا التوقف لا رجعة فيه، ولا يمكن أن نجزم بأن الموت الشرعي ينطبق على إحدى الحالتين.
أما في حال توقف القلب وبقاء الدماغ يعمل، فإن هذه الحالة غير موجودة في الفقه الإسلامي.
ويضيف حبش: لا نملك سوى القول بتحريم تجارة الأعضاء، مع علمنا بأن حالات التبرع بالكلى هي بواقع أكثر من 95% منها هي حالات بيع خاصة عند الشعوب الفقيرة أو المضطهدة، ومن حق الإنسان الذي تلقى كلية أو قرنية أن يحسن إلى من أحسن إليه ويكافئه، هو مطلب وطني وكما تقبلت الشعوب الإسلامية بنك الدم، يجب أن تتقبل بنك الأعضاء ولا أعتقد أن المانع ديني، بدليل إيران والسعودية لكن المانع تقني، فمن المعروف أن الاحتفاظ بالأعضاء وإعادة الاستفادة منها ليس أمراً سهلاً ويتطلب قدرات مالية وعلمية كبيرة وانتفت الأضرار، ففي الماضي ساد اعتقاد بأن التبرع قد يقتل المتبرع الموضوع اليوم بات محسوماً، واحتمالات الوفاة بعد التبرع بالكلية هي نفس احتمالات الوفاة لمن لا يتبرع بالكلية، ولا أعتقد أن الأيام القادمة ستشهد جدلاً أكثر من الذي شهدته وهو مرهون بانتشار اليقين والوعي بين الناس بفائدة هذه العمليات وهوالذي يحمي من السقوط في المحظور والخطأ.
نشر ثقافة التبرع
هذه الثقافة تحتاج إلى منابر متعددة، أما منبر الدين فأعتقد أن الأفق ميسر وأن علماء الدين ماضون للتسامح في التبرع بالأعضاء وإقراره وهذا يتطلب المنابر الدينية والإعلامية والثقافية والتعليمية لشرح المعنى الإنساني الذي يقف وراء التبرع ودعوة الناس إلى هذا الخير.
ويعتقد الدكتور حبش أن وصول الناس إلى قناعة إمكان التبرع عند الموت السريري سيساعد في معالجة أمراض كثيرة باستبدال أعضاء ميتة، وللتوجيه دور رئيسي لكن توافر القدرات التقنية والخبرات الحقيقية في زرع الأعضاء هو الأكثر أهمية، بالإضافة إلى بنك الأعضاء والتوصيف القانوني لهذه العمليات ودور الإعلام ليتأكد الناس أنهم يمكن أن يكونوا سبباً في حياة الآخرين.
خطوة متأخرة
طالما أنه لا توجد أي مشكلة قانونية أو دينية، يبقى دور الإعلام ورجال الدين أساسياً في العمل على نشر ثقافة التبرع بين الناس وتخليصهم من الأفكار الخاطئة التي يحملونها حول هذا الموضوع انطلاقاً من أن جميع قوانين العالم تتعامل مع جسم الإنسان خارج التعامل التجاري، وتعتبره نوعاً من أنواع الرق المعاصر.
وطالما أن آلاف الحوادث المرورية تقع خلال عام وتخلف آلاف الوفيات، فبمقدورنا حينها أن نستفيد بالمقابل من أعضائهم لإحياء الملايين من الناس المهددين بالموت.
ولنتذكر دائماً أن سعر الكلية الواحدة قد يصل في الأحوال العادية إلى 400 ألف ليرة سورية.
وانطلاقاً من منبر الإعلام سنجعل العالم يشعر بمدى العذاب الذي يقاسيه المريض وأهله في سبيل تأمين عضو ما.
فقد يأتي يوم ونكون في مستشفى يضج بالحياة والموت، في وقت يقرر الطبيب أن «دماغي توقف عن العمل، وأن حياتي توقفت»، لن يكون موتنا وأجسادنا سوى حياة لأشخاص
آخرين مفعمين بالحياة.