إذا تزوجت عن حب ... فأنت تزوجت حبيبتك... و إذا تزوجت زواج تقليدي ... فأنك تزوجت حبيبـة غيرك ما رأيك
أعددت فنجان قهوتي لأمارس برفقته ما أدعوها بالحالة التأملية التي قد تطول أحياناً ليوم أو بعض يوم من استرخاء جسدي ونشاط عقلي متعب .. فتتوارد الوجوه والأفكار متزاحمة متشابكةلكنها هذه المرة لم تدم طويلاً إذ قطع استرسالها رنين جرس الهاتف.
- ألو .. مساء الخير
- مساء النور
- كل عام وأنتَ بخير
- بمناسبة ؟؟
- عيد الحب
ضحكتُ قليلاً رغماً عني
- ولكني لست حبيبكِ على ما أعتقد !!
- ولمَ لا ؟؟
- لأنني لا أعرفكِ
- ولا أنا .. هي محاولة أحببت أن أجربها .. اتصلت بعدد من أرقام أجهلها لكنها كانت لأصوات نسائية .. ورقمك أول رقم لصوت رجل
- لكن .. تأخرتُ في الرد فما الذي جعلك تنتظرين؟؟
- إحساس أخبرني بأن أحداً سيرد لا محالة
- وهل تعتبرين أن أي رجل سيجيب على اتصالك سيكون حبيبك في عيد الحب؟؟
- عيد الحب ليس للعشاق فقط .. إنه لكل اثنين يتحابان ويجمعهما أمر مشترك.
- وأي أمر سيجمعنا ونحن لا يعرف أحدنا الآخر؟؟
- قد لا تكون العاطفة .. ربما الرغبة في التعرف إلى إنسان مجهول تماماً .. دون حدود أو تحفظات .. عبر نبرات صوته دون النظر والتمعن في وجهه وعينيه .. لا أخفيكَ الأمر .. رغم كثرة الوجوه والأشخاص حولي أشعر بوحدة خانقة .. وأن روحي معلقة بنقطة غير محددة تسبح في الفضاء .... عمري الآن ثلاثون عاماً ورغم ذلك يقولون عني رومانسية حالمة .. أهتم كثيراً بالتفاصيل الدقيقة للأمور والأشياء .. فأنا لازلت أصدق أن القمر مليء بالعصافير والفراشات الجميلة .. وأعتبر جميع الناس طيبين وأجد لهم مبررات لتصرفاتهم السيئة وأستغرب وأُصدَم عندما أُعامَل بخسة وزيف.
- هل هذا سبب كثرة الأشخاص حولكِ؟؟ تخالين أن من حولك أصدقاء وتبوحين لهم دون تحفظ فتفتر العلاقة بعد حين؟
- "بصوت مخنوق" .. نعم .. وهذا متعب .. متعب العيش دون نهاية في دوامة مشاعر لا تصل إلى نهاياتها ولا تعيش مع الزمن ...... وماذا عنكَ أنتَ؟؟
- أنا متأنٍ جداً في تكوين علاقاتي وأصدقائي معدودون .. ورغم ذلك أشعر أن هذه العلاقات مبتورة ولا تصمد كثيراً .. أعتقد أن سبب ذلك كوني أنظر إلى الأمور بشكل كلي وأهمل التفاصيل الصغيرة .. فحين أتحدث عن دعوة زفاف شاركت فيها أختصر الموضوع في أننا "رقصنا وضحكنا وهنأنا" .. ولا أتطرق إلى أم العروس المنشغلة بكل شيء دون فعل شيء .. ولا المدعوين وكراسيهم المخملية وتهنئتهم العروسين بابتسامة شبه ابتسامة .. فأنا على العكس منك لا أهتم بالتفاصيل والجزئيات .. ولكن أيقنتُ أنه لا يمكنني القول أن هذا صديقي الحميم وذاك أخي وانتهى الأمر .. فحتى أقرب الناس إليكِ يجب أن تراقبي طريقة تعاملكِ معه وتلاحظي ردود أفعاله لتحافظي على علاقة متينة.
- ها أنت تقع ضحية التعقيد الزائد.
- وها أنتِ تقعين ضحية التبسيط الزائد.
- أشعر أحياناً أن لا ملامح محددة لي .. وأن وجهي هلامي وأسلوب كلامي يتبدل تبعاً للأشخاص الذين أصادقهم .. وفي هذه الأيام أضع على وجهي ابتسامة مقيتة بطريقة تمثيلية .. أحاول منع نفسي عنها والتصرف بطبيعية لكن شفتاي تتباعدان لترسمان ذلك التعبير الغبي على وجهي رغماً عني.
- أما أنا ففي بعض اللحظات أصبح شفافاً .. وأشعر أني ألمس تلك النقطة السديمية التي تشابه نقطتك الضائعة .. لا يمكنني وصف ذلك فكل خلية من خلاياي تنبض حينذاك بطاقة لا محدودة تجعلني أسمو فوق جزئية إدراكنا للأشياء فأتصل باللامحدود وألقي نظرة تغطي الأشياء والأحاسيس من مختلف الزوايا والجهات .. كأنكِ تنظرين لجسم ما من الأعلى والأسفل والجوانب في الوقت ذاته .. لكن نادراً ما يحدث هذا الأمر لدي.
- كيف تشعر إذ ذاك؟؟
- أشعر أن قدميّ تغوصان إلى ما تحت الأرض وتخترقان كل الطبقات الصخرية الصلبة في مركزها .. إلى كرة اللهب التي يتكلمون عنها ويصفونها بأنها حمم منصهرة .. تمتد نظراتي إلى ما وراء الأفق تصافح أبعد النجوم .. أشعر أنني في قلعتي الخاصة التي بنيتها لنفسي فأصعد إلى البرج أنادي أحبتي الذين لا أراهم.
- لقد بنيتُ أنا أيضاً قلعة من تراب .. وتعرفتُ إلى أحبّة من صخر.
- كيف؟؟
- ما إن بدأ جسدي يتفتح على رغباته ويضيق بتوقٍ غريب إلى يد تهدهده وتفتش ثناياه حتى كان أهلي يحيطون بي من الجهات الأربعة .. على باب المنزل ومائدة الطعام ودفاتري المدرسية .. حذروني من كل شيء .. "كل شيء يتربص بكِ للانقضاض عليكِ .. كل إنسان .. كل نظرة .. كل يد تمتد لتصافحكِ" .. وكأن المجتمع حولي قد سخر كل جنوده للانقضاض عليّ ........ وبعد أن كبرت حاولت إسقاط المجتمع من حساباتي والعيش وفق أسلوبي الخاص مع أصدقائي الشباب والبنات .. أدخل وأخرج وأناقش في كل شيء ... لكن .. لكن كما لو أنني أشبه طفلة صغيرة غافلت أمها ولبست حذاءها ذا الكعب العالي ووضعت أحمر الشفاه على خديها وشفتيها .. ثم أعادت كل شيء إلى مكانه عندما سمعت صوت المفتاح يدخل في الباب .. ذلك الخوف القديم ما زال في داخلي ويمنعني من أن أكبر...... إنني أعامل الناس وفق معايير تلك الفتاة الصغيرة .. أندفع بكل قوتي نحو أولئك الرجال والنساء و(الكبار) .. ثم أعود محبطة عاجزة وحيدة .. وأبني جدران قوقعتي من وجوه الناس وأحاديثهم.
ساد بعض الصمت .. قطعته بنفسي:
- سررت كثيراً لحديثي معك يا صديقة .
- لم أقل كلامي هذا لأحد قبلاً .. حتى لنفسي .. جميل هذا الخوف الذي يوحدنا الآن فيدفعنا للبوح .. بوحٌ غريب .. بين طفلة وشبح.
- هل تبكين؟؟
- بل أكفكف حزني.
- عيد حب سعيد يا طفلة.
- عيد حب سعيد أيها الشبح.
- لن تتكلمي ثانية؟.
- لا.
- طبعاً .. لا يتكرر اللقاء بين طفلة وشبح.
- طبعاً .. وإلا تحول الشبح إلى طفل.